هل تفتح المحادثات القضائيّة في بيروت باب إنجاز الإتفاقيّة؟
تستمر المحادثات القضائيّة والتقنية الجديدة بين وَفدي اللجنة اللبنانية- السورية المشتركة، لمعالجة ملف السجناء السوريين في لبنان، وملف المفقودين اللبنانيين قسراً في سوريا، الذي يفتح الباب أمام تسهيل ملفات حسّاسة أخرى عالقة بين البلدين، مثل قضايا ترسيم الحدود ومحاربة التهريب.
وكانت هذه اللجنة قد تشكّلت انطلاقاً من زيارة رسمية لوفد سوري إلى بيروت في أيلول من العام الفائت، تلتها جولة متابعة في دمشق، وسلسلة لقاءات بين وزيري عدل البلدين. وقد أكّد الجانبان على إجراء حوارات قانونية متعمّقة، لوضع مسودة إتفاقية تعاون قضائي تنظم الإجراءات، المتعلقة بتسليم المطلوبين وتنفيذ الأحكام القضائية. فهل تُبصر هذه الإتفاقية النور قريباً مع التقدّم، الذي شهدته المحادثات التي حصلت منذ أيام في بيروت، بين ممثلي اللجنة المشتركة؟ أم لا تزال هناك معوقات تحول دون إنجاز هذه الإتفاقية؟
مصادر سياسية مطلعة على أجواء المحادثات الأخيرة، أكّدت أنّها تناولت مناقشة تفصيلية لشروط وبنود إتفاقية التعاون القضائي، وتحديد الآليات التنفيذية، وكانت إيجابية وبنّاءة جدّاً، أعطى خلالها الوفد السوري ملاحظاته على مسودة الإتفاقية المقترحة، في ما يتعلّق بالموقوفين المحكومين وتنقلهم من دولة إلى دولة لاستكمال تنفيذ محكوميتهم. ويبلغ عدد هؤلاء نحو 360 محكوماً من أصل الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، الذين يتجاوز عددهم الألفي شخص، أي نحو ثلث إجمالي السجناء في لبنان. في الوقت الذي استمع فيه الوفد اللبناني إلى ملاحظات الوفد السوري، موضحاً له بعض النقاط.
أمّا هدف الإجتماعات بين الجانبين فهو وضع إتفاقية تعاون قضائي بين البلدين، تحافظ على سيادة الدولتين. وهي "إتفاقية متبادلة"، على ما قال وزير العدل اللبناني عادل نصّار، أي في حال وجود محكومين لبنانيين في سوريا فسوف يُعاملون بالمثل، وسيتمّ نقلهم إلى لبنان. وتأخذ الإتفاقية بالإعتبار ما يُعرف بالحقوق الشخصية، إذ تُتيح للموقوفين المحكومين الموافقة الشخصية أو عدمها على مسألة نقلهم من دولة إلى أخرى. كما تتناول معالجة خاصّة للموقوفين بجرائم القتل والاغتصاب والمتورّطين في أعمال أو معارك ضد الجيش اللبناني.
ويطالب الجانب اللبناني، على ما تلفت المصادر، بأمور ثلاثة هي:
⁃ الأول: الدعم الكامل للجنة اللبنانيين المخفيين قسراً في سوريا (الأمر الذي سبق وأن شدّد عليه وزير العدل السوري مظهر الويس، خلال زيارته إلى لبنان في 14 تشرين الاول المنصرم، والزيارة التي قام بها مع الوفد السوري المرافق إلى سجن روميه، حيث التقى مجموعة من الموقوفين السوريين).
- الثاني: تسليم اللبنانيين الفارّين من العدالة إلى سوريا.
- الثالث: تزويد لبنان بالملفات الأمنية والتقنية التي بحوزة النظام الجديد من النظام السابق، في ما يتعلّق بملف الإغتيالات السياسية التي حصلت في لبنان من العام 2005 وحتى اليوم. لما يمكن أن تتضمّنه هذه الملفات من معلومات جديدة، يمكنها مساعدة التحقيقات الجارية في لبنان على التقدّم في كشف الحقائق.
ويبدي الجانب السوري تجاوبه مع هذه المطالب، ما يشير إلى تقدّم ملموس في النقاشات، بعد فترة من التحضير والتحاور القانوني، وحصول بعض الخلافات في وجهات النظر.
أمّا مطالب الموقوفين، على ما توضح المصادر المطلعة، فتتمثّل بأمور قانونية وإجتماعية أبرزها:
1- عدم تجزئة ملف السجون في لبنان، في ما يتعلّق بمختلف القضايا والجنسيات.
2- أن تعمل الدولة اللبنانية على تحديد سقف للمؤبّد، وسقف للإعدام، وتحديد السنة السجنية بستّة أشهر.
3- أن تُوافق على تسليم جميع المعتقلين والموقوفين السوريين إلى بلادهم.
ولدى هؤلاء الموقوفين تخوّف من عدم وصول الملف إلى خواتيمه كونه سياسيا بامتياز، قبل أن يكون قضائياً، سيما وأنّ غالبية الموقوفين السوريين من المعارضين للنظام السابق في سوريا.
وحتى الآن، بحسب المصادر السياسية، يبدو أنّ هناك اتفاقاً بين البلدين على مقاربة قانونية مشتركة، تأخذ في الاعتبار احترام سيادة كل من البلدين، لا سيما في ما يتعلق بتسليم الموقوفين المحكومين، وليس الملاحقين. فيما النقاش لا يزال يشمل ملفات معقّدة مثل الجرائم المرتبطة بأمن الدولة أو الإرهاب القصوى، وهي نقاط لا تزال موضع اختلاف في الصياغة النهائية.
ورغم هذا التقدّم في مسودة النصوص، لا تزال عناصر تقنية وقانونية وأمنية، تحتاج إلى حسم نهائي قبل التوقيع الرسمي للإتفاقية.
وتبرز حالياً أهمية إنجاز إتفاقية التعاون القضائي بين لبنان وسوريا في أسرع وقت ممكن، على حد قول المصادر، بمعنى آخر إذا بقي التعاون القضائي غير منجز، فقد يؤخر ذلك أيضاً مسارات أخرى من التعاون بين البلدين، تتطلّب توافقاً سياسياً وقانونياً شاملاً مثل ترسيم الحدود والثروات البحرية.
وبالنسبة لشروط تسليم السجناء، وفق القانون الدولي، تشير المصادر السياسية إلى أنّ الإتفاقيات القضائية التقليدية بين الدول، مثل اتفاقية التعاون القضائي لعام 1951، تنصّ على شروط محدّدة لتسليم المطلوبين أو تنفيذ الأحكام القضائية، تشمل:
⁃ أن يكون المطلوب من رعايا الدولة الطالبة.
⁃ صدور حكم نهائي لا رجعة فيه.
⁃ عدم تعارض الجريمة مع القوانين في كلا البلدين.
⁃ موافقة الشخص نفسه على النقل أو التسليم.
⁃ عدم وجود مخاطر إنتهاك لحقوق الإنسان مثل التعذيب أو المعاملة القاسية بعد التسليم.
وهذه الشروط القانونية تُعدُّ جزءاً من الإشكالات التي يعمل عليها الجانبان، لضمان التوصّل إلى إتفاقية عادلة ومقبولة للطرفين.
وفي ما يتعلّق بموعد تسليم الموقوفين، تشير المصادر إلى أنّه سيحصل حتماً بعد توقيع الإتفاقية. وحتى الآن، ليس هناك موعد محدّد رسمياً لتسليم المحكومين. علماً بأنّ جميع الأطراف المعنية تتحدّث عن "تقدّم إيجابي"، (كان سلبياً في الأسابيع السابقة)، في مبدأ التسليم، لا سيما للسجناء غير المرتبطين بجرائم قتل أو جرائم أمنية خطيرة. غير أنّ تنفيذ ذلك يحتاج عملياً إلى إقرار نهائي للنصوص القانونية، وإتمام الإجراءات القضائية في لبنان، وتحديد الآليات التنفيذية مثل قوائم الأسماء، مراكز التسليم، والإشراف القضائي المستمر.
وفي ظلّ هذه المعطيات، يصعب القول إنّ التسليم سيبدأ "قريباً جدّاً"، رغم وجود إرادة سياسية واضحة من الطرفين لإنجازه، ولا سيما مع استمرار الضغوطات لتخفيف الاكتظاظ في السجون اللبنانية والتعامل مع الملف بواقعية قانونية.
وتختم المصادر السياسية "ثمّة مرحلة متقدّمة من الحوار القانوني بين لبنان وسوريا، لإنجاز اتفاقية التعاون القضائي، وهذا لا يعني أنّ النص بات جاهزاً للتوقيع الفوري، لكنه يشير إلى نيّة سياسية وقانونية واضحة للتوصّل إلى نص نهائي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، إذا استمرت الاجتماعات بوتيرة موضوعية". أما بالنسبة لتسليم المحكومين، فيُمكن أن يبدأ التطبيق بمجرد توقيع الاتفاقية وتحديد آليات التنفيذ، على أن يشمل في المرتبة الأولى الأشخاص، الذين يستوفون الشروط القانونية دولياً ومحلياً (مثل السجناء غير المتورّطين في جرائم دمويّة كبرى).
الديار

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اكتب تعليقك