انتفاضة آذار 1991.. يوم غيّرت "رانيا" مجرى التاريخ في كردستان

05 مارس 2026 09:44

تمرّ اليوم الذكرى السنوية لاندلاع انتفاضة الخامس من آذار عام 1991، تلك الملحمة الشعبية التي لم تكن مجرد تمرد عسكري، بل كانت زلزالاً سياسياً واجتماعياً اقتلع جذور نظام البعث من أرض كردستان، وأسس لمرحلة جديدة صاغت الهوية الدستورية والسياسية لإقليم كردستان.

انتفاضة آذار 1991.. يوم غيّرت "رانيا" مجرى التاريخ في كردستان

RûpelNews - في صبيحة الخامس من آذار عام 1991، كانت مدينة "رانيا" على موعد مع التاريخ. انطلقت الشرارة الأولى من حناجر الجماهير التي انتفضت بصدور عارية، مسنودة بقوات "بيشمركة كردستان". وفي غضون ساعات، تحولت المدينة إلى ساحة لتحرير الإرادة، حيث سيطر المنتفضون على الثكنات العسكرية والمقار الأمنية التابعة للنظام، لتعرف رانية منذ ذلك الحين بـ"بوابة الانتفاضة".

ولم تكن رانية سوى البداية؛ فسرعان ما امتدت ألسنة اللهب الثوري لتشمل مدن السليمانية، أربيل، دهوك، وصولاً إلى تتويج الملحمة بتحرير مدينة كركوك في الحادي والعشرين من آذار، متزامنة مع أعياد نوروز، ليعلن الشعب الكردي سيطرته الكاملة على مدنه بعد عقود من القمع والتنكيل.

الهجرة المليونية.. المأساة التي هزت ضمير العالم

لم يستسلم النظام البعثي بسهولة، حيث شنّ هجوماً مضاداً واسعاً مستخدماً آلته العسكرية الثقيلة، مما أدى إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في نهاية القرن العشرين. اضطر مئات الآلاف من الكرد إلى النزوح الجماعي نحو الجبال الوعرة والحدود مع تركيا وإيران في ما عُرف بـ"الهجرة المليونية".

هذه المشاهد المأساوية للنازحين وهم يفترشون الثلوج، حركت الرأي العام العالمي وأجبرت القوى الدولية على التدخل. وفي نيسان 1991، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 688، الذي أدى إلى إنشاء "منطقة آمنة" وفرض حظر جوي فوق خط العرض 36، مما وفر حماية دولية سمحت بعودة النازحين وانسحاب قوات النظام من المدن الكردية.

من الثورة إلى الدولة: ولادة المؤسسات

لم تكتفِ الانتفاضة بطرد المحتل، بل تحولت إلى مشروع لبناء الدولة والمؤسسات. ففي التاسع عشر من أيار عام 1992، توجه الكرد إلى صناديق الاقتراع لأول مرة في تاريخهم لانتخاب "برلمان كردستان".

كانت تلك الخطوة بمثابة الإعلان الرسمي عن ميلاد كيان سياسي وقانوني يمتلك حكومة وبرلماناً خاصاً به. ومنذ ذلك الحين، نجح إقليم كردستان في التحول من منطقة منكوبة بالحروب إلى مركز اقتصادي ودبلوماسي فاعل، وباتت قضيته حاضرة في كبرى المحافل السياسية الدولية.

إن انتفاضة آذار 1991 تظل في الوجدان الكردستاني؛ فهي التي حولت حركة التحرر الكردية من نضال في الجبال إلى سلطة شرعية معترف بها دولياً، ورسمت بدم التضحيات خارطة طريق لمستقبل يرفض التبعية ويتمسك بالحرية.