لبنان و"البلوك 8": خطوة سيادية في قلب صراع غاز المتوسط
شكّل توقيع لبنان اتفاق الاستكشاف مع "كونسورتيوم توتال إنرجي" محطة جيوسياسية واستراتيجية تتجاوز البعد المحلي، وتمتد مباشرة إلى قلب الصراع المفتوح على غاز شرق البحر المتوسط، ولا سيما النزاع التركي–القبرصي الذي يُعد من أعقد ملفات الطاقة والنفوذ في المنطقة. فالشرق المتوسط، وفق معظم الدراسات، لم يعد منذ أكثر من عقد حوضًا واعدًا بالثروات الطبيعية فحسب، بل تحوّل إلى ساحة اشتباك مركّبة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ والتحالفات المتبدّلة والمقاربات المتناقضة للسيادة البحرية وتقاسم الموارد.
يأتي الاتفاق في توقيت بالغ الدقة، وسط "غليان لبناني" داخلي، وتحولات في موازين القوى الإقليمية، ويرى خبراء أن "البلوك 8"، بحكم موقعه الجغرافي القريب من خط التماس البحري مع قبرص، وبانخراط شركات طاقة دولية كبرى فيه، يتحوّل من مساحة استكشاف تقني إلى نقطة تقاطع سياسية بين مسارين متوازيين:
الأول، تثبيت الشرعية القانونية لاتفاقات ترسيم الحدود وفق قواعد الأمم المتحدة.
والثاني، مسار تركي مضاد يقوم على فرض وقائع بحرية بالقوة. وبين المسارين، يبرز لبنان كعامل ضغط إضافي على أنقرة، التي تحرّكت دبلوماسياً باتجاه بيروت عقب ترسيم الحدود مع قبرص.
وبرغم محدودية القدرات اللبنانية عسكرياً وسياسياً وبنيوياً، يرى مراقبون أن تموضع لبنان داخل شبكة تحالفات الطاقة القائمة يمنحه قدرة على لعب دور صغير لكن مؤثر، ضمن سلسلة تمتد من بيروت إلى نيقوسيا مروراً بالقاهرة وأثينا و"تل أبيب". فكل عقد استكشاف جديد، وكل منصة حفر، وكل استثمار طويل الأمد، يراكم شرعية سياسية وقانونية مضادّة للرواية التركية.
في المقابل، اعتبرت أوساط سياسية أن الاتفاق يُعد نجاحًا واضحًا للدولة في إعادة تثبيت نفسها كشريك موثوق أمام الشركات والدول الكبرى، بعد سلسلة نكسات سابقة. إذ حملت رعاية الحكومة للتوقيع وحضور رئيسها رسالة داخلية وخارجية مفادها أن بيروت، رغم أزماتها، لا تزال قادرة على اتخاذ قرارات سيادية واستراتيجية في ملفات حيوية، بعيدًا عن منطق التعطيل أو الارتهان الكامل للتوازنات الداخلية.
لينا رشيد

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اكتب تعليقك