لبنان بين ضغوط الخارج وارتباك الداخل: لحظة سيادية مصيرية
أعاد اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فلوريدا تسليط الضوء على التحولات الكبرى التي تُحضَّر في الشرق الأوسط. فحين سُئل ترامب عمّا إذا كانت إسرائيل ستتجه إلى مهاجمة "حزب الله" بعد تعثّر اتفاق وقف الأعمال العدائية، أجاب بعبارة مقتضبة: "سنرى ذلك… الحكومة اللبنانية في وضع صعب نوعاً ما، وحزب الله يتصرّف بشكل سيئ". موقف حمل في طياته إشارة واضحة إلى هشاشة الموقع اللبناني وسط تصعيد إقليمي متدحرج.
في المقابل، لا يُخفي نتنياهو رغبته في توجيه ضربة قاسية لإيران وأذرعها في المنطقة، وفي مقدّمها "حزب الله". وقد جاء تشدّد الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم حيال خطة حصر السلاح بيد الدولة ليعزّز هذه المخاوف، إذ بدا وكأن الحزب يرفع منسوب التحدي في توقيت بالغ الحساسية، ما يضع لبنان أمام احتمالات أمنية وعسكرية خطيرة، تُعدّ الأخطر منذ إقرار "اتفاق الطائف".
صمت رسمي مقلق
مرّ يوم كامل على اتهامات مباشرة طالت السلطة التنفيذية، من دون أن يصدر أي ردّ رسمي يوضح أو يعترض أو حتى يعبّر عن تحفظ. فقد ذهب قاسم إلى حدّ تخوين كل من يطالب بحصرية السلاح، واعتبار ذلك خدمة لإسرائيل، في وقت بات معلومًا أن رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة تتبنيان هذا المطلب باعتباره أساسًا لبناء الدولة واستعادة سيادتها.
وإذ وصف قاسم نزع السلاح بأنه “مشروع أميركي – إسرائيلي” مهما كانت تسميته، بدا وكأنه يضع رأس الدولة والحكومة في خانة الاتهام الوطني. ومع ذلك، التزمت الدولة صمتًا لافتًا، خصوصًا إذا ما قورن بسرعة ردّها في محطات أقل خطورة وتأثيرًا على الكيان السياسي.
تحذيرات وسجالات داخلية
في هذا المناخ، حذّرت أوساط سياسية من أن العام المقبل لن يحمل تهدئة، بل استمرارًا للاستهدافات الإسرائيلية، مع تصاعد النظرة الدولية إلى لبنان كدولة عاجزة عن بسط سيطرتها الكاملة. ورأت هذه الأوساط أن اللحظة الراهنة تفرض على السلطة التقاط فرصة ضعف “حزب الله” النسبي لاتخاذ خطوات سيادية حاسمة.
غير أن الساحة الداخلية لم تخلُ من تباينات حادة. فقد استمر وزير طارق متري في التأكيد أن ملف السلاح يُعالج بالتوافق، وأن الاعتراضات على مشروع قانون الفجوة المالية ذات خلفيات سياسية، ما أثار انتقادات نيابية حادة اعتبرت أن تولّي المسؤولية يفترض استعدادًا لتحمّل كلفة إعادة بناء الدولة وتحريرها من الدويلة والفساد.
في السياق ذاته، برز موقف رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي رأى أن "حزب الله" شكّل العائق الأكبر أمام قيام الدولة، وأسهم في خنق الحياة السياسية ودفع البلاد نحو الانهيار الشامل.
بين الالتزامات والانتظار
في موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى نتائج الاتصالات الدولية وما سينتج عنها، سواء في اتجاه التصعيد أو التفاوض. وفي هذا الإطار، تابع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون التحضيرات الجارية لاجتماع لجنة “الميكانيزم” المقرّر في السابع من كانون الثاني، والذي يسبق رفع تقرير الجيش اللبناني إلى مجلس الوزراء بشأن استكمال حصر السلاح جنوب الليطاني.
مصادر مطلعة أشارت إلى أن الوفد اللبناني سيعرض التزام الدولة بما تعهّدت به، من خلال انتشار الجيش وتنفيذ بنود الاتفاق، على أن يُطلب في المقابل التزام الطرف الإسرائيلي بوقف الخروقات واستكمال الانسحاب من المناطق المحتلة، استنادًا إلى مبدأ التوازن في الالتزامات.
وسيسبق هذا الاجتماع حراك رئاسي مكثّف مع الدول المعنية، هدفه تثبيت معادلة واضحة: لا استقرار دائمًا من دون خطوات متبادلة، ولا يمكن تحميل لبنان وحده أعباء اتفاق لا يلتزم به الطرف الآخر.
ضمن هذا السياق، حمل تأكيد رئيس الجمهورية على دور الجيش والأجهزة الأمنية دلالة سياسية واضحة، إذ شدّد على أن المؤسسة العسكرية كانت ولا تزال صمّام أمان البلاد، وأنها الجهة الوحيدة القادرة على حماية الدولة ومنع الانزلاق إلى المجهول، في لحظة يختلط فيها التحدي السيادي بخطر الانفجار الإقليمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اكتب تعليقك