نصر الدين إبراهيم: الكرد رقم صعب لا يمكن تجاوزه في سوريا
خاص- لينا رشيد
في لحظة سورية مفصلية، حيث تتداخل آثار الحرب مع ملامح ما بعد سقوط نظام الأسد، تبرز القضية الكردية مجددًا بوصفها أحد أعقد الملفات السياسية وأكثرها حساسية. بين واقع القوة على الأرض وغياب الاعتراف الدستوري، يقف الكرد في سوريا في منطقة رمادية لا هي هامشية كما في الماضي، ولا هي شراكة مكتملة في الحاضر.
وأشار سكرتير الحزب الديموقراطي الكردي في سوريا "البارتي" نصرالدين ابراهيم الى أن: " الشعب الكردي يتموضع اليوم في روجآفاي كردستان و عموم سوريا كقوة سياسية و عسكرية فاعلة، لكنها لم تكسب الاعتراف بها بعدُ بشكل دستوري واضح. لسنا في موقع الهامش كما كان الحال تاريخياً، ولا في موقع السلطة الوطنية الحاكمة."
وتابع ابراهيم في مقابلة لموقع "بيامي كرد": "نمتلك عناصر قوة حقيقية من إدارة قائمة، قوة عسكرية منظمة، حضور جغرافي واسع، وشرعية مستمدة من قتال الإرهاب وحماية الاستقرار، والأهم أننا شعب يعيش على أرضه التاريخية له كل الحق بالتمتع بحقوق القومية والوطنية التي حرم منها عبر التاريخ السوري الحديث."
وأردف: "في المقابل، يواجه هذا التموضع تحديات جدية بسبب غياب تسوية سورية شاملة، واستمرار التجاذبات الإقليمية، وتردد المجتمع الدولي في الانتقال من إدارة الصراع إلى حلّه. يمكن القول إن الشعب الكردي بات رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه، لكنهم لم يتحولوا بعد إلى شريك مُكرّس في صياغة سوريا الجديدة رغم سقوط نظام البعث".
علاقة ملتبسة مع دمشق: إدارة نزاع لا تفاوض سياسي
عن طبيعة العلاقة الراهنة بين القوى الكردية والسلطة الانتقالية في دمشق قال ابراهيم: "العلاقة الحالية أقرب إلى إدارة نزاع منها إلى مسار تفاوضي مكتمل الشروط، حيث أن هناك قنوات تواصل مفتوحة، لكن دون أرضية سياسية مشتركة واضحة أو جدول زمني ملزم."
وأكد أن: "ما يعيق تحوّل هذا المسار إلى تفاوض حقيقي هو استمرار الذهنية المركزية التقليدية، وعدم الاعتراف الصريح بالحقوق القومية والسياسية للشعب الكردي ضمن إطار دستوري. لذلك، نحن أمام تهدئة متبادلة تفرضها موازين القوى والضغوط الدولية، لا أمام تسوية ناضجة قائمة على شراكة وطنية متكافئة."
الضغط التركي: العامل الأكثر تعطيلاً للمسار الكردي
أشار ابراهيم: "الضغط التركي هو العامل الأكثر تأثيراً وسلبية على الواقع السياسي والأمني للشعب الكردي في سوريا , فهو لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى تعطيل أي مسار سياسي مستقر، من خلال ولاء السلطات واجنحتها العسكرية للدولة التركية أكثر من ولائها للدولة السورية، مما يؤثر ذلك على حدوث خلل في العلاقة بين القوى السياسية والعسكرية الكردية والسلطات المؤقتة في دمشق ، وفرض مناخ دائم من عدم اليقين. هذا الضغط يحول دون تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية، ويُستخدم كذريعة إقليمية ودولية لتجميد الحلول، ويدفع الكرد ضريبة أمنية واقتصادية ومعيشية باهظة لذلك العداء العنصري تجاه الكرد ونتيجة لذلك التدخل السافر في الوضع الداخلي لسوريا."
الواقع المعيشي تحت الحصار والتهديدات
كما لفت إلى أن: "لا شك أن الواقع السياسي والأمني الصعب انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين المعيشية ، من حيث تراجع الخدمات، ضعف الاقتصاد المحلي، الهجرة، والضغوط المعيشية. الإدارة الذاتية نجحت نسبيًا في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار والخدمات مقارنة بمناطق أخرى، وحققت إنجازات في مجالات الإدارة المحلية، الأمن، و غيرها . لكنها لم تنجح بالكامل في تلبية تطلعات الناس، لأسباب موضوعية تتعلق بالحصار والتهديدات، وأسباب ذاتية تتصل بالحاجة إلى إصلاحات أعمق، وتوسيع الشراكة السياسية، وتحسين الأداء الاقتصادي والإداري."
الكرد بعد سقوط نظام البعث "الأسد": قوة قائمة وحقوق معلّقة
وتابع ابراهيم: "قبل سقوط النظام، كان الكرد ضحايا سياسة إنكار ممنهجة من تهميش سياسي، حرمان ثقافي، وإقصاء اقتصادي بالمختصر محاولات صهر قومي . بعد انطلاق الثورة الشعبية في سوريا عام 2011، ولا سيما بعد سقوط نظام البعث انتقلوا من موقع الضحية الصامتة إلى الفاعل السياسي والعسكري، وفرضوا وجودهم على الأرض. لكن هذا الانتقال لم يكتمل؛ إذ لم يترجم بعد إلى اعتراف وطني ودولي دائم، حيث يمكن القول إن الكرد كسبوا القوة والوعي والتنظيم، لكنهم ما زالوا في معركة تثبيت الحقوق، لا في مرحلة جني ثمارها النهائية."
أما على مستوى المستقبل، فيرى إبراهيم أن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في اندماج الكرد ضمن سوريا لا مركزية، تقوم على دستور يعترف بالتعدد القومي، ويكفل إدارة ذاتية حقيقية ضمن إطار الدولة، مع شراكة فعلية في القرار السيادي. فخيار الانفصال غير واقعي في ظل التوازنات الدولية الراهنة، كما أن العودة إلى المركزية باتت مستحيلة بعد كل ما شهدته البلاد. وعليه، فإن المستقبل المرجّح هو تسوية تاريخية تفرضها الوقائع لا النوايا، شرط أن يحسن الكرد إدارة قوتهم وتوحيد صفوفهم، وأن تدرك بقية القوى السورية أن الشراكة تشكّل شرطًا أساسياً للاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اكتب تعليقك