كيف تحاول القاهرة تطويق النفوذ الإسرائيلي في أرض الصومال؟

24 رجب 1447 10:21
كيف تحاول القاهرة تطويق النفوذ الإسرائيلي في أرض الصومال؟

دخلت منطقة القرن الأفريقي في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025، نفقاً جديداً من التوترات الجيوسياسية، حين أقدمت الحكومة الإسرائيلية على خطوة وصفت بأنها "مقامرة استراتيجية"، بالاعتراف الرسمي بـِ "جمهورية أرض الصومال" (صومالي لاند) كدولة مستقلة ذات سيادة.

هذا التطور، الذي كسر صمتاً دولياً دام لأكثر من ثلاثة عقود منذ إعلان الإقليم انفصاله أحادياً عن مقديشو في العام 1991، لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي بروتوكولي، بل مثّل صدمة لبنية الأمن الإقليمي وتحدياً مباشراً للمصالح الحيوية المصرية في البحر الأحمر وخليج عدن. تتطلب قراءة هذا المشهد، النظر، وبشكل دقيق، في أعماق الاستراتيجيات المتصادمة؛ فبينما ترى تل أبيب في هذه الخطوة "استثماراً سياسياً مركباً" يتماشى مع روح "اتفاقيات أبراهام"، تعتبرها القاهرة خرقاً جسيماً للأمن القومي العربي وتهديداً لسيادة دولة عربية شقيقة.

هذا الاعتراف لم يولد من فراغ، بل سبقه حراك دبلوماسي مكثف واتفاقيات دفاعية متبادلة، حيث تسعى "هرجيسا" من خلاله لكسر عزلتها الدولية، بينما تهدف إسرائيل لتعميق حضورها وبناء أوراق نفوذ جديدة قبالة السواحل اليمنية. وفي مواجهة هذا الزلزال، تحركت الدبلوماسية المصرية بسرعة حازمة، معتبرة أن العبث بوحدة الصومال هو "عبور للخطوط الحمراء" لا يمكن الصمت عنه. فما تداعيات هذا التحول من حيث الأبعاد الأمنية، والجيوسياسية، والاقتصادية والدولية؟

البعد الأمني والعسكري

يمثل الوجود الإسرائيلي المباشر في أرض الصومال تحولاً جذرياً في "هندسة التهديد" التي تواجه الأمن القومي المصري. فمن خلال هذا الاعتراف، حصلت تل أبيب على موطئ قدم استراتيجي يتيح لها الوصول إلى ساحل يمتد لـ850 كيلومتراً ويطل مباشرة على خليج عدن. هذا الوجود لا يقتصر على السفارات، بل يمتد ليشمل ترتيبات أمنية واستخباراتية تتيح لإسرائيل نشر أنظمة رصد وملاحقة للطائرات المسيرة والصواريخ الحوثية عند مدخل باب المندب، وهو ما يضع القوى الإقليمية التقليدية مثل مصر وتركيا أمام واقع أمني يمنح إسرائيل نفوذاً عسكرياً مباشراً في منطقة نفوذهما التاريخية.

وعلاوة على ذلك، يبرز في هذا السياق التلويح المصري المتزايد باستخدام الأدوات القانونية والعسكرية التي تمنحها المواثيق الدولية لحماية سيادتها؛ حيث ترى القاهرة أن أي وجود عسكري "غير شرعي" في مدخل البحر الأحمر يمثل تجاوزاً لـ"خط أحمر" مصري وعربي مشترك. ومن منظور القانون الدولي، تؤكد الدبلوماسية المصرية على حقها، بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، في اتخاذ "إجراءات دفاعية استباقية" في حال شعرت بتهديد مباشر لمصالحها الحيوية أو أمنها القومي نتيجة تحول الإقليم إلى قاعدة انطلاق لعمليات استخباراتية أو عسكرية. هذا التوجه يعكس رغبة في فرض معادلة ردع تمنع فرض واقع عسكري جديد، خصوصاً مع تواتر التقارير التي تشير إلى سعي إسرائيل لاستخدام أرض الصومال كـ"قاعدة أمامية" لمراقبة الأنشطة في اليمن والمحيط الهندي.

وتذهب التحليلات الأمنية إلى أبعد من ذلك، حيث يُنظر إلى أرض الصومال كـ"قاعدة أمامية" محتملة للعمليات الإسرائيلية ضد النفوذ الإيراني في المحيط الهندي. هذا الطموح العسكري الإسرائيلي قوبل بتهديدات صريحة من جماعات مثل "حركة الشباب" و"الحوثيين" الذين أعلنوا أن أي وجود إسرائيلي في الإقليم سيكون "هدفاً عسكرياً مشروعاً"، مما ينذر بتحويل القرن الأفريقي إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية والحروب بالوكالة. بالنسبة للقاهرة، فإن هذا المشهد يعني "عسكرة" الممر المائي الحيوي المؤدي لقناة السويس، وزيادة مخاطر العمليات العسكرية والقرصنة، ما دفعها لتعزيز وجودها العسكري المباشر في الصومال عبر بروتوكولات تعاون عسكري تهدف لحماية الدولة الفيدرالية وضمان استقرار المنطقة.

إن المخاوف الأمنية المصرية مبررة بالكامل؛ فالتواجد الإسرائيلي في الجنوب، متزامناً مع وجودها في إيلات شمالاً، يخلق ما يشبه "الكماشة الاستراتيجية" التي تتيح لتل أبيب التحكم في حركة الملاحة في البحر الأحمر. هذا الواقع الجديد قد يؤدي إلى فقدان الدول العربية المطلة على البحر الأحمر لمفاتيح أمنها القومي لصالح قوى خارجية، وهو ما تعتبره مصر تهديداً وجودياً يتطلب رداً استباقياً يعتمد على تعزيز القدرات الدفاعية للجيش الصومالي ونشر قوات مصرية لضبط التوازن المفقود.

البعد الجيوسياسي والقانوني

أما على الصعيد الجيوسياسي، أدى الاعتراف الإسرائيلي إلى فرز المنطقة إلى معسكرين متواجهين، ما أعاد رسم خريطة التحالفات الإقليمية بشكل مفاجئ. ففي جانب، نجد المحور الإسرائيلي-الإثيوبي الذي يسعى لتغيير الوضع القائم؛ حيث ترى إثيوبيا في هذا الاعتراف غطاءً دولياً لمشروعها الرامي للحصول على منفذ بحري سيادي في ميناء بربرة. وفي الجانب المقابل، برز "تحالف الضرورة" بين القاهرة وأنقرة ومقديشو، حيث تناست مصر وتركيا خلافاتهما السابقة لتقفا صفاً واحداً في الدفاع عن وحدة الأراضي الصومالية، مُعتبرتين أن أي مساس بها يمثل سابقة خطيرة قد تفتح الباب لتفتيت دول أفريقية أخرى.

قانونياً، استند الموقف المصري المدعوم من جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، إلى أن الاعتراف الإسرائيلي يمثل "انتهاكاً صارخاً" لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. وتعتبر القاهرة أن هذا الإجراء باطل وعديم الأثر القانوني لأنه يتعارض مع مبدأ "حرمة الحدود الموروثة" الذي يتبناه الاتحاد الأفريقي لمنع الانفصالات الأحادية في القارة الهشة. وقد نجحت الدبلوماسية المصرية في حشد تحالف دولي يضم 21 دولة عربية وإسلامية أصدرت بياناً مشتركاً يدين الخطوة الإسرائيلية ويؤكد على بطلان أي إجراءات تمس وحدة الصومال.

هنا، أصبح الصراع ليس مجرد نزاع قانوني، بل هو صراع على "جغرافيا المستقبل". فإسرائيل تحاول من خلال أرض الصومال كسر عزلتها الإقليمية والالتفاف على الرفض العربي لسياساتها، بينما تسعى مصر لإثبات أن استقرار القرن الأفريقي هو خط أحمر لا يمكن تجاوزه. هذا الحراك المصري النشط شمل الدعوة لاجتماعات طارئة في الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، يهدف إلى عزل الخطوة الإسرائيلية دولياً ومنع تحولها إلى "كرة ثلج" تشجع دولاً أخرى على الاعتراف بالإقليم المنفصل.

البعد الاقتصادي والإنساني

لا تنفصل الأطماع الجيوسياسية عن الحسابات الاقتصادية المعقدة في هذا الملف. فمصر تنظر بعين القلق إلى تطوير ميناء بربرة في أرض الصومال كمركز لوجستي عالمي بدعم إسرائيلي وإماراتي. والرغم من أن بربرة لا يمثل بديلاً كاملاً لقناة السويس، إلا أن تحويله إلى ممر تجاري يربط إثيوبيا بالبحر الأحمر قد يؤثر على الحصص السوقية لبعض الخدمات اللوجستية، والأخطر من ذلك هو أن تحول المنطقة إلى ساحة صراع عسكري سيؤدي حتماً إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، مما يدفع السفن لتجنب طريق البحر الأحمر برمته، وهو ما يضر مباشرة بعائدات قناة السويس التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد المصري.

وفي بُعدٍ أكثر خطورة وحساسية، برزت تقارير وشائعات تربط الاعتراف الإسرائيلي بخطة سرية تهدف لتوطين فلسطينيين مهجرين من قطاع غزة في أراضي "أرض الصومال". ورغم النفي القاطع من سلطات هرجيسا لهذه المزاعم ووصفها بـ "الأكاذيب المعلوماتية"، إلا أن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وجامعة الدول العربية، حذروا من أن إسرائيل قد تسعى لـ"تصدير أزماتها" واستخدام الإقليم كمنصة لتنفيذ مخططات تهجير مرفوضة عربياً ودولياً. بالنسبة لمصر، فإن هذا الملف يمس جوهر أمنها القومي وقضيتها المركزية؛ حيث تعتبر أن أي ربط بين الاعتراف بأرض الصومال وقضية التهجير هو محاولة لتصفية القضية الفلسطينية على حساب استقرار دول القرن الأفريقي.

هذه التشابكات الاقتصادية والإنسانية تجعل من التحرك المصري ضرورة قصوى، فالمسألة تتجاوز حدود التجارة لتصل إلى حماية الإنسان العربي والأفريقي من مشروعات "نيوكولونيالية" تستغل فقر الدول وهشاشتها لفرض واقع ديموغرافي وسياسي جديد. ومن هنا، عززت مصر من قوتها الناعمة عبر مشروعات تنموية ومنح تعليمية للصوماليين، لتؤكد أن الارتباط بالقاهرة هو ضمانة للتنمية والوحدة، وليس للانفصال والارتهان لأجندات خارجية.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" عام 2026 بوصفه حدثاً دبلوماسياً معزولاً، بل كاختبار بالغ الخطورة للسياسة الخارجية المصرية خلال العقد الأخير. فهذه الخطوة لم تُوجَّه ضد الصومال وحده، وإنما استهدفت إعادة هندسة التوازنات الأمنية في البحر الأحمر، ومحاصرة المصالح المصرية داخل عمقها الأفريقي. غير أن الرد المصري، الذي جمع بين الحضور العسكري الفاعل والحراك الدبلوماسي الكثيف، كشف أن القاهرة لا تزال قادرة، وتحاول، إدارة لحظات "الفوضى المنظمة" واحتواء ارتداداتها الإقليمية.

ومع انفتاح المشهد على احتمالات متعددة، تبدو المنطقة مقبلة إما على نجاح مسار مصري–تركي–عربي في تحييد هذا الاعتراف وإفراغه من مضمونه، أو على بداية مرحلة جديدة من تفكيك الدول الهشة لصالح محاور إقليمية عابرة للقارة. ومن هنا تبرز رؤية سياسية مركزية تتمثل في مواصلة دعم مؤسسات الدولة الصومالية الشرعية، وتكريس "مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر" باعتباره الإطار الأمني الوحيد القادر على ضبط حركة الملاحة ومنع تكريس وقائع موازية غير شرعية. فمعركة "أرض الصومال" تتجاوز حدود الجغرافيا الصومالية، لتصبح معركة دفاع عن فكرة الدولة الوطنية ذاتها، وفي هذا السياق، تدافع مصر عن مستقبلها الإقليمي بقدر ما تدافع عن وحدة واستقرار محيطها.

المدن