لغة الأجداد وهُوية الأحفاد: اللغة العصية على المحو

15 مايو 2026 13:14

تُعد اللغة لأي شعب في العالم هي الوعاء الذي يحفظ تاريخه، وثقافته، وذاكرته الجمعية. وبالنسبة للكرد، الذين واجهوا عبر التاريخ محاولات مستمرة لصهر هويتهم، تكتسب اللغة الكردية قدسية خاصة؛ فهي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي خندق المقاومة الأخير وأداة البقاء الوجودي. في الخامس عشر من أيار من كل عام، يحتفل الكرد في كافة أرجاء المعمورة بـ "يوم اللغة الكردية"، وهو يوم يحمل دلالات عميقة تتجاوز الاحتفال اللغوي لتصل إلى تأكيد الهوية الوطنية.

لغة الأجداد وهُوية الأحفاد: اللغة العصية على المحو

RûpelNews - السياق التاريخي: مجلة "هاوار" وبداية النهضة

يعود اختيار يوم 15 أيار ليكون يوماً للغة الكردية إلى حدث تاريخي مفصلي وقع في عام 1932. ففي ذلك اليوم، أصدر الأمير واللغوي الكردي الفذ "جلادت بدرخان" العدد الأول من مجلة "هاوار" في مدينة دمشق. لم تكن "هاوار" مجرد مجلة أدبية، بل كانت الثورة الثقافية التي وضعت أسس الأبجدية الكردية الحديثة بالحرف اللاتيني.

بدرخان أدرك أن الحفاظ على الأمة يبدأ من توحيد قواعد لغتها وكتابتها، ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا التاريخ رمزاً للانتقال من الثقافة الشفاهية إلى التدوين المؤسساتي الحديث، وهو ما مكن اللغة الكردية من الصمود أمام موجات التتريك والتعريب والتفريس.

أهمية يوم اللغة الكردية في أجزاء كردستان الأربعة

تختلف ظروف الكرد في الأجزاء الأربعة (الشمال، الجنوب، الغرب، الشرق)، ولكن يجمعهم يوم اللغة الكردية كجسر عابر للحدود السياسية.

1-  شمال كردستان (تركيا): لغة المقاومة ضد الصهر

في هذا الجزء، عاشت اللغة الكردية عقوداً من الحظر المطلق، حيث كان مجرد النطق بالكردية في الأماكن العامة يُعرض صاحبه للعقوبة. لذا، يمثل يوم 15 أيار في شمال كوردستان "يوم التحدي". يحتفل الكرد هناك باللغة كفعل سياسي، حيث تُنظم المسيرات والفعاليات الثقافية للتأكيد على حق التعليم باللغة الأم. إن التمسك باللغة في تركيا هو صرخة في وجه سياسات الإنكار، وإثبات بأن "اللغة الكردية حية ولن تموت" رغم محاولات التهميش الممنهج.

2- جنوب كردستان (إقليم كردستان العراق): من الحظر إلى المؤسساتية

يختلف الوضع في إقليم كردستان العراق، حيث نالت اللغة الكردية حقوقها الدستورية وأصبحت لغة رسمية إلى جانب العربية. يمثل يوم اللغة هنا احتفاءً بالإنجازات الأكاديمية. تُقيم الجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية مهرجانات أدبية وفنية. بالنسبة لكرد الإقليم، هذا اليوم هو تذكير بضرورة تطوير اللغة لتواكب العصر، وتوحيد المصطلحات العلمية، وحمايتها من طغيان اللغات الأجنبية في ظل الانفتاح العالمي، معتبرين أن استقلال اللغة هو التمهيد للاستقلال السياسي.

3- غرب كردستان (شمال وشرق سوريا): ثورة اللغة

شهدت السنوات الأخيرة في غرب كردستان ثورة لغوية" حقيقية. فبعد عقود من الحرمان والمنع في ظل السياسات الشوفينية، أصبحت الكردية اليوم لغة التعليم الأساسية من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعية. يوم اللغة الكردية في غرب كردستان هو عيد للحرية؛ حيث يخرج آلاف الأطفال والطلاب بزيِّهم الفلكلوري ليعبروا عن فخرهم بلغتهم التي كانت تُهمس في السر وأصبحت اليوم تُدرس في العلن. إنه يوم لتكريم المعلمين الذين وضعوا المناهج الكردية في ظروف الحرب الصعبة.

4- شرق كردستان (إيران): حارس الهوية الثقافية

في إيران، رغم الاعتراف النسبي بوجود اللغة الكردية في الآداب، إلا أنها لا تزال محرومة من أن تكون لغة التعليم الرسمية في المدارس. لذا، يكتسب يوم اللغة الكردية طابعاً نضالياً وثقافياً مكثفاً. ينشط المثقفون والناشطون في إقامة دورات لغوية تطوعية في المنازل والمراكز الثقافية الخاصة. بالنسبة لهم، هذا اليوم هو تأكيد على أن الروح الكردية لا يمكن تقييدها بحدود، وأن الأدب الكردي المكتوب بالسورانية يمثل ركيزة أساسية للهوية الوطنية الكردية.

اللغة الكردية كجامع وطني: وحدة في التنوع

بالرغم من تعدد اللهجات الكردية، إلا أن يوم اللغة الكردية يوحد هذه اللهجات تحت راية الهوية الواحدة. إن الاحتفال بهذا اليوم في الأجزاء الأربعة يكسر الحواجز التي فرضتها اتفاقية "سايكس بيكو"؛ فالقصيدة التي تُقرأ في مهاباد تُسمع في ديار بكر، والأغنية التي تنطلق من القامشلي تُردد في أربيل.

التحديات والآفاق المستقبلية

لا يزال أمام اللغة الكردية تحديات كبيرة، أبرزها:

العولمة: وتأثير التكنولوجيا التي تفرض اللغات الكبرى.

التشتت الجغرافي: الذي يعيق توحيد المعايير اللغوية بشكل كامل.

السياسة: استمرار إنكار حقوق اللغة في بعض الدول.

ومع ذلك، فإن الوعي المتزايد لدى الجيل الشاب، وانتشار القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي بالكردية، ساهم في خلق فضاء لغوي مشترك لم يسبق له مثيل.

الكلمة أقوى من السيف

إن يوم اللغة الكردية ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو تجديد للعهد بأن يظل الكرد متمسكين بجذورهم. لقد أثبت التاريخ أن الجيوش قد تُهزم، والحدود قد تتغير، ولكن اللغة إذا عاشت في قلوب وعقول أبنائها، فإن الأمة تبقى نابضة بالحياة. إن الخامس عشر من أيار هو رسالة للعالم أجمع بأن الكرد، عبر لغتهم الجميلة والغنية، يساهمون في التنوع الثقافي الإنساني، وأن "اللغة الكردية" ستبقى شمس الهوية التي لا تغيب.