حياةٌ مكرسةٌ في سبيل النضال: الملا مصطفى البارزاني

03 مارس 2026 15:04

تمرّ اليوم سبعٌ وأربعون سنةً على رحيل القائد الخالد، الملا مصطفى البارزاني، الذي لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل كان مدرسةً نضالية وهب حياته بأكملها لخدمة قضية شعب كوردستان. لقد كان البارزاني حامل لواء الرؤية الثورية، متسلحاً بشجاعةٍ منقطعة النظير، وإيمانٍ راسخ بقيم العدالة في وجه الطغيان، رافضاً حياة الاستعباد ومكرساً لمبدأ الأنفة والكرامة الإنسانية كسماتٍ جوهرية في شخصيته القيادية.

حياةٌ مكرسةٌ في سبيل النضال: الملا مصطفى البارزاني

RûpelNews - اختار الملا مصطفى البارزاني طريق الكفاح في حقبةٍ تاريخية ومصيرية بالغة التعقيد، حيث واجه قوىً إقليمية ودولية عاتية، في وقتٍ كان فيه الشعب الكوردي يعاني مرارة الاضطهاد والعزلة، دون نصيرٍ سوى عدالة قضيته وإرادة أبنائه التواقين للحرية. وبإرادةٍ صلبة، استطاع أن يحول تلك الآلام إلى قوةٍ محركة، ليترك خلفه موروثاً نضالياً عظيماً ألهم الأجيال المتعاقبة في الوقوف ضد الظلم والجور.

محطاتٌ من سيرة الكفاح
وُلد مصطفى البارزاني، الابن الخامس للشيخ محمد البارزاني، في الرابع عشر من آذار عام 1903 بقرية "بارزان". وقد اصطبغت طفولته بالمعاناة؛ فبعد رحيل والده عام 1904، وتولي شقيقه الشيخ عبد السلام قيادة المنطقة، تعرضت "بارزان" لعدوان القوات العثمانية وهو لم يتجاوز الثالثة من عمره، حيث أُودع السجن مع والدته لمدة تسعة أشهر.

انخرط البارزاني في العمل الثوري مبكراً؛ ففي عام 1919 شارك في ثورة الشيخ محمود الحفيد قائداً لقوةٍ قوامها 300 مقاتل. وفي عام 1920، كلفه الشيخ أحمد البارزاني بمهمةٍ دبلوماسية وعسكرية لدى الشيخ سعيد بيران في شمال كوردستان، سعياً لتحقيق التنسيق بين الثورات الكوردية.

برزت عبقريته العسكرية الفذة في ثلاثينيات القرن الماضي (1931-1932) أثناء قيادته لقوات البيشمركة في مواجهة القوات البريطانية بمناطق "ميركة سور" و"شيروان"، حيث تجلت مهاراته القيادية في حرب العصابات والتكتيكات الدفاعية. ورغم فترات الهدوء القسري والمنفى، عاد البارزاني عام 1943 ليشعل فتيل الحركة الكوردية مجدداً، مستثمراً الظروف الدولية إبان الحرب العالمية الثانية لتحقيق مكاسب قومية لشعبه.

منجزات الحكم الذاتي وتحديات الغدر الإقليمي
تعد "اتفاقية 11 آذار 1970" من أبرز المحطات التاريخية في مسيرة البارزاني؛ حيث انتزع اعترافاً رسمياً من الحكومة العراقية بالحقوق القومية والحكم الذاتي لكوردستان، ليصبح الكورد لأول مرة شركاء في الدولة وتغدو لغتهم لغةً رسمية. بيد أن الحكومة العراقية نكثت بوعودها، وأبرمت "اتفاقية الجزائر" الغادرة مع إيران عام 1975 لضرب الثورة الكوردية. ورغم ذلك، لم ينكسر البارزاني، بل وضع حجر الأساس لمرحلةٍ نضالية جديدة قبل أن يشتد عليه المرض.

الرحيل والخلود
وافت المنية القائد الخالد في الولايات المتحدة في الأول من آذار عام 1979. دُفن جثمانه مؤقتاً في مدينة "شنو" بشرق كوردستان، ليعود بعد انتفاضة عام 1991 إلى مسقط رأسه في "بارزان" في السادس من تشرين الأول عام 1993، حيث ووري الثرى في الأرض التي ناضل من أجلها.

فلسفة القيادة والتواضع
إلى جانب شخصيته الكاريزمية، عُرف البارزاني بتواضعه الجم الذي جعل منه رمزاً إنسانياً. وفي روايةٍ ينقلها المراقب السياسي "روجهات آمدي"، يُذكر أن طباخه "عبد الرحمن برواري" أرسل له رسالةً عام 1976 أثناء وجوده في أمريكا للعلاج، يطلب فيها اللحاق به لخدمته، ووقع الرسالة بعبارة "خادمك عبد الرحمن برواري".

فما كان من البارزاني إلا أن رد عليه برسالةٍ حملت أسمى معاني نبل الأخلاق، قائلاً: "لا داعي للمجيء يا عبد الرحمن"، وذيل رسالته بتوقيع: "خادمك مصطفى البارزاني".

إن هذه الواقعة تلخص جوهر فلسفته: أن القائد الحقيقي هو من يرى نفسه خادماً لشعبه ولقضيته العادلة.