معابر غير شرعية بين لبنان وسوريا: كيف أعادت شبكات التهريب رسم طرقها؟
مع حلول الليل على القرى الحدودية بين لبنان وسوريا، تبدأ حركة مختلفة عن تلك التي تراها الدولة في تقاريرها الرسمية. شاحنات تتحرك بصمت على طرق ترابية، دراجات نارية تعبر الحقول، وأشخاص يسلكون مسارات يعرفها المهربون وحدهم. هنا، لا تبدو الحدود خطًا سياسيًا واضحًا، بل مساحة رمادية واسعة تتحكم بها شبكات التهريب، وتفرض فيها الجغرافيا والاقتصاد قواعدهما الخاصة.
RûpelNews - في الأشهر الأخيرة، كثّف الجيش اللبناني إجراءاته على الحدود وأغلق عددًا من المعابر غير الشرعية، في محاولة للحد من حركة التهريب. إلا أنّ الواقع الميداني يشير إلى أن الظاهرة لم تختفِ، بل أعادت تشكيل نفسها عبر طرق ومسارات جديدة أكثر سرية.
الحدود التي لا تنام
على امتداد البقاع الشمالي وصولاً إلى عكار ووادي خالد، لا تزال الطرق الترابية والمعابر الغير الشرعية تنبض بحركة يومية يلاحظها السكان المحليون. شاحنات تمرّ ليلاً، وصهاريج تسلك مسارات وعرة، وأفراد يعرفون تضاريس المنطقة أكثر مما تعرفها المؤسسات الرسمية.
ويقول مصدر أمني رفيع لـ"Rupel News" إنّ حركة التهريب على الحدود اللبنانية – السورية لم تتوقف، بل تغيّرت طبيعتها وأماكنها. فبينما شهد البقاع الشمالي تراجعًا نسبيًا للنشاط بعد الاشتباكات التي شهدتها بلدة حوش السيد علي الحدودية بين العشائر والجيش السوري، بقيت مناطق أخرى مثل وادي خالد نقطة نشطة للتهريب، خصوصًا لتهريب الأشخاص.
وأشار المصدر إلى أنه لا توجد إحصاءات دقيقة عن المعابر غير النظامية الحالية، لكن الحدود ما زالت مفتوحة، خصوصًا في مناطق مثل عكار، حيث يشهد وادي خالد حركة كبيرة للمهربين الذين ينقلون المهاجرين عبر النهر الكبير. ويزداد نشاط التهريب عندما يتدفّق النهر، ويضعف عند جفافه، ما يجعل عبور الأشخاص عرضة لمخاطر كبيرة تصل إلى احتمال الغرق.
أما بالنسبة لتهريب البشر، فغالبًا ما يتم في المناطق السهلية التي تسهّل تضاريس الأرض وحركة السكان عمليات التهريب، بينما تظل المناطق الجبلية أكثر صعوبة في المراقبة. ولفت المصدر نفسه إلى أن مناطق مثل حوش السيد علي وبعض المناطق المجاورة لحمص شهدت تهجيرًا للسكان بسبب الاشتباكات المتكررة، مما انعكس سلبًا على عمليات التهريب في تلك المناطق.
وختم المصدر بالقول إنّ التهريب لم يتوقف، لكنه تغيّر في طبيعته وأماكنه وفقًا للظروف والمعابر التقليدية لم تعد مركز النشاط الرئيسي، بينما ظهرت طرق جديدة أكثر سرية ومرونة، تعكس قدرة هذه الشبكات على التكيف مع أي إجراءات أمنية أو تغييرات ميدانية قد تحصل.
شهادة مهرّب: “الطريق يتغيّر كل أسبوع”
يقول “أبو علي” (اسم مستعار)، وهو مهرّب يعمل على الحدود منذ أكثر من عشر سنوات، إنّ الإجراءات الأمنية الأخيرة دفعت المهربين إلى تغيير طرقهم باستمرار.
وأضاف: “لم يعد هناك طريق ثابت كما في السابق. اليوم قد نسلك طريقًا عبر السهول، وغدًا نغيّره إلى مسار آخر في البساتين. عندما يغلق الجيش معبرًا، يظهر معبر آخر خلال أيام”.
ويؤكد أن المهربين يعتمدون على شبكة من المراقبين المحليين الذين يتابعون حركة الدوريات الأمنية، ويبلغونهم بأي تغيّر قد يطرأ على الأرض.
ماذا يُهرَّب عبر الحدود؟
في ظلّ الانفلات الحدودي، لا يقتصر التهريب على سلعة واحدة. فشبكات التهريب تتعامل مع السوقين اللبناني والسوري بوصفهما سوقًا واحدة غير رسمية.
ومن بين أبرز المواد التي يجري تهريبها:
الأسلحة
المحروقات
الملابس
المنتجات الزراعية مثل التفاح والليمون
الأدوية
المواد الغذائية
تهريب الأشخاص
ويؤكد المصدر الأمني أنّ تهريب البشر بات أحد أكثر الأنشطة رواجًا في المرحلة الحالية.
وادي خالد: معبر البشر عبر النهر
في وادي خالد، يتحوّل النهر الكبير إلى معبر غير رسمي للبشر. فمع غياب إحصاءات دقيقة عن عدد المعابر غير الشرعية، تبقى هذه المنطقة من أكثر النقاط نشاطًا.
وتنشط شبكات التهريب هناك في نقل المهاجرين عبر النهر باتجاه الأراضي اللبنانية. ويزداد النشاط عندما يرتفع منسوب المياه، فيما يتراجع عند جفاف النهر. ما يجعل العبور ليس آمنًا. فبحسب سكان محليين، شهدت المنطقة حالات غرق خلال محاولات العبور، خصوصًا عندما يحاول المهربون نقل مجموعات من الأشخاص ليلًا.
تراجع تهريب المحروقات
على عكس ما كان عليه الوضع في السنوات الماضية، تراجع تهريب المحروقات بشكل ملحوظ.
ففي فترات سابقة، كان البنزين والمازوت والغاز من أكثر السلع تهريبًا عبر الحدود، نتيجة العجز الذي كانت تعانيه السوق السورية وصعوبة الحصول على هذه المواد. لكن مع السماح بتداول المحروقات بشكل أوسع داخل سوريا، وتعدد مصادر تأمينها، تراجع الفارق بين الاسعار الذي كان يشكّل الحافز الرئيسي لتهريبها.
وبذلك فقدت هذه التجارة جزءًا كبيرًا من جدواها الاقتصادية بالنسبة للمهربين, بحسب أحد المهربين.
تهريب الأدوية في الاتجاهين
في المقابل، لا يزال تهريب الأدوية قائمًا بوتيرة ملحوظة بين البلدين.
فالأدوية الأجنبية، وخصوصًا التركية، تدخل إلى سوريا عبر لبنان، أما في الاتجاه المعاكس، فتدخل الأدوية السورية المُنتجة محليًا إلى لبنان، مستفيدة من انخفاض كلفتها مقارنة بالأدوية المستوردة.
تكشف الوقائع على الحدود اللبنانية – السورية أن التهريب لم يعد مجرد نشاط غير قانوني محدود، بل تحوّل إلى اقتصاد موازٍ قادر على التكيّف بسرعة مع المتغيرات الأمنية والاقتصادية.
فكلما أُغلقت معابر، ظهرت طرق جديدة. وكلما تغيّرت الأسعار، تبدّلت طبيعة السلع المهرّبة.
وفي ظلّ الحدود الطويلة والتداخل الجغرافي بين القرى، يبقى التحدي الأكبر أمام الدولة ليس فقط في ضبط المعابر، بل في معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت من التهريب مصدر رزق لكثيرين يعيشون على هامش الاقتصاد الرسمي.
