ما الذي ينتظر العراق؟

12 أبريل 2026 18:28

في خضم الأزمة التي رافقت الجلسة النيابية بخصوص رئاسة الجمهورية في العراق، برز موقف الرئیس مسعود بارزاني بوصفه أحد أكثر المواقف وضوحاً وحزماً، إذ أعاد التأكيد على ثلاثية الشراكة والتوازن والتوافق باعتبارها الركائز الأساسية التي يجب أن تقوم عليها العملية السياسية في العراق.

ما الذي ينتظر العراق؟
د. سامان سوراني

RûpelNews -

ويقرأ أنصار هذا الموقف ما جرى باعتباره تحولاً خطيراً في مسار النظام السياسي، بل ويذهب البعض إلى اعتباره انقلاباً عملياً على فكرة التوافقية التي حكمت إدارة الدولة منذ عام 2003.

من هذا المنظور، فإن ما حدث لا ينظر إليه كخلاف إجرائي أو تنافس سياسي شکلي بل یمکن إعتباره كسر لقواعد غير مكتوبة، كانت تضمن مشاركة جميع المكونات في صياغة القرارات الكبرى في العراق الاتحادي الفدرالي.

ويعتبر ماجری بخصوص منصب رئيس الجمهورية، دون توافق كوردي داخلي ودون إجماع سياسي واسع سابقة سياسية تؤشر إلى انتقال تدريجي نحو منطق فرض الأمر الواقع بدل منطق الشراكة.

وفي هذا السياق، يفهم موقف الرئیس مسعود بارزاني على أنه رفض واضح لهذا التحول، إذ يتمسك برؤية تعتبر أن الشراكة الحقيقية لا يمكن أن تختزل في تمرير القرارات داخل المؤسسات العددية فقط، بل تقوم على التفاهم المسبق والتوازن بين القوى الأساسية. ومن هنا، فإن رفضه لما جرى يعكس، وفق هذا التحليل، عدم القبول بسياسة "فرض الأمر الواقع” أو ما ينظر إليه كـ"ليّ أذرع سياسية” داخل المعادلة العراقية.

كما تقرر أن تعود كتلتي الحزب في مجلس النواب والحكومة الاتحادية إلى إقليم كوردستان، بهدف تقييم الأوضاع وإجراء مشاورات معمّقة حول المرحلة المقبلة، في خطوة تعكس موقفاً أكثر حزماً وإعادة ترتيب واضحة للموقف الكوردي في ضوء التطورات الأخيرة.

غير أن المشهد لم يكن أحادي الاتجاه، إذ إن موقف ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، والذي تمثل في عدم المشاركة في الجلسة النیابیة الخاصة برئاسة الجمهورية، يعكس بدوره اعتراضاً على آليات إدارة التوافق داخل الدولة، ما يؤكد أن الأزمة أوسع من كونها خلافاً كوردياً داخلياً، بل هي تعبير عن اهتزاز شامل في قواعد التوافق بين القوى السياسية.

كما أن الدور الذي لعبه الاتحاد الوطني في عقد الجلسة خارج إطار التوافق الكوردي التقليدي ساهم في تعميق الانقسام داخل إقليم کوردستان، وأضعف الموقف التفاوضي الموحد، وهو ما قد ينعكس على ملفات استراتيجية تتعلق بالموازنة والموارد والصلاحيات الدستورية.

والأكثر أهمية في هذا التحول أن مبدأ "الأغلبية داخل المكون”، الذي كان يستخدم كمرجعية سياسية غير مكتوبة، أصبح اليوم موضع اختبار حقيقي.

إذ إن تجاوز التوافق الكوردي في هذا الاستحقاق يفتح الباب أمام سابقة يمكن أن تطبق لاحقاً على بقية المكونات، بما يعني إعادة تعريف مفهوم التمثيل السياسي في العراق من جذوره.

وبينما يرى البعض أن هذا التحول يمثل نهاية مرحلة التوافقية التقليدية، فإن آخرين يحذرون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى إدخال النظام السياسي في دائرة من الصراعات المفتوحة، حيث تتحول التحالفات العددية إلى أداة حسم بدل التفاهمات المسبقة، ما يهدد استقرار المعادلة السياسية برمتها.

في المحصلة، يبدو أن العراق يقف أمام لحظة مفصلية، تتجاذبها رؤيتان:  الأولى تتمسك بإعادة تثبيت التوافق كقاعدة حاكمة، والثانية تميل إلى تكريس منطق القوة العددية داخل المؤسسات. وبين هذين الاتجاهين، يبقى مستقبل الشراكة السياسية في العراق مفتوحاً على احتمالات معقدة، تتوقف على قدرة الأطراف الفاعلة على إعادة صياغة قواعد اللعبة قبل أن تتعمق الأزمات أكثر.

في النهاية، يقف العراق أمام مفترق حاسم بين إعادة إحياء التوافق كشراكة سياسية حقيقية، أو الانزلاق نحو منطق القوة الذي يهدد جوهر الدولة واستقرارها على المدى الطويل.