يوم اللغة الكردية: احتفاء بـ"بوتقة الهوية" وصمود في وجه محاولات المحو الثقافي
RûpelNews - يعود اختيار هذا التاريخ إلى عام 1932، حين أصدر الأمير والمثقف الكردي "جلادت بدرخان" العدد الأول من مجلة "هاوار" في العاصمة السورية دمشق. لم تكن "هاوار" مجرد دورية أدبية، بل كانت المختبر الذي وُلدت فيه الأبجدية الكردية المكتوبة بالأحرف اللاتينية، وهو المشروع الذي قاده بدرخان لإنقاذ اللغة من الشتات وتوحيد طرائق تدوينها.
كان بدرخان يؤمن بمقولة شهيرة مفادها: "اللغة هي أساس الوجود"، وبفضل تلك الخطوة، استطاع الكرد الانتقال بلغتهم من التراث الشفهي المهدد إلى التدوين العصري، ما فتح الباب أمام نهضة أدبية وصحفية كردية شاملة.
اللغة كفعل مقاومة
عبر عقود من الزمن، واجهت اللغة الكردية سياسات "التتريك" و"التعريب" و"التفريس" في الدول التي تتقاسم الجغرافيا الكردية. في تركيا، ظل النطق بالكردية أو الغناء بها جريمة يُعاقب عليها القانون لسنوات طويلة، وفي سوريا سُحب الاعتراف بها لعقود. لذا، تحول الاحتفال بيوم اللغة الكردية إلى "فعل سياسي" و"مقاومة ثقافية" يعبر فيها الكرد عن رفضهم للإقصاء.
الواقع الراهن: من الحظر إلى المؤسسات
اليوم، يعيش المشهد اللغوي الكردي تحولات كبرى تتراوح بين الازدهار والتحدي، ففي إقليم كردستان العراق: تُعد اللغة الكردية لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية، وتُدرس في كافة المراحل التعليمية، ما جعلها تعيش عصرها الذهبي مؤسساتياً وأدبياً. أما في شمال وشرق سوريا (روج آفا): شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً؛ حيث أصبحت الكردية لغة التعليم الأساسية في مناطق الإدارة الذاتية، وأُبرمت مؤخراً اتفاقات مع دمشق (مرسوم 13) تعترف بها كلغة وطنية وتتيح تدريسها، وهو ما يراه الكرد انتصاراً طال انتظاره.
وفي تركيا وإيران، لا تزال اللغة الكردية تواجه قيوداً قانونية تمنع جعلها لغة تعليم أساسية، رغم وجود بعض المبادرات الجامعية والإعلامية المحدودة تحت ضغوط دولية وشعبية.
التحديات الرقمية
وعلى الصعيد التقني، يبذل الناشطون والمبرمجون الكرد جهوداً جبارة لتعزيز حضور لغتهم في العالم الرقمي، من خلال مشاريع الترجمة الآلية في "جوجل" و"مايكروسوفت"، وتطوير المحتوى الكردي على "ويكيبيديا" ومواقع التواصل الاجتماعي، لضمان مواكبة الأجيال الشابة لمتطلبات العصر بلغتهم الأم.
يقول الأدباء الكرد إن "اللغة هي الوطن"، وفي يومها العالمي، يجدد ملايين الكرد العهد بالتمسك بهذا الوطن اللغوي. إن الاحتفاء بـ 15 أيار هو رسالة للعالم بأن اللغة الكردية، التي صمدت أمام الجبال والحروب والحدود، لا تزال قادرة على العطاء، ليس فقط كأداة للتواصل، بل كجسر حضاري يربط الماضي العريق بمستقبل يطمح للحرية والاعتراف.