تعزيز "شمال إسرائيل" مجمّد: الحرب قد تتجدد في الجبهات كافة!
تبدو الحكومة الإسرائيلية حذرة في ضخ الموازنات والدعم اللازمين لإعادة وضع مستوطنات وبلدات الشمال المحاذية للبنان لما كان عليه الحال قبل 7 تشرين أول/أكتوبر 2023، مروراً بصيغة ردودها على انتقادات الإسرائيليين المقيمين في المنطقة الشمالية بفعل تراجع نسق الحياة فيها، رغم مرور أكثر من عام على اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله.. وكأنه لا يقين لدى المستوى الرسمي الإسرائيلي بانتهاء الحرب بعد، بل قد تعود في أي لحظة!
مؤتمر "الشمال".. لفهم "الآتي"
هذا ما يُمكن استنتاجه أيضاً مما دار من نقاشات ومداخلات انخرط فيها صحافيون إسرائيليون ورؤساء بلديات وسكان وتجار وشخصيات من خلفية أمنية، إضافة إلى ممثلين عن الحكومة الإسرائيلية، وذلك ضمن ندوة نُظمت أخيراً تحت عنوان "نعزز الشمال".
وحسب صحيفة "يسرائيل هيوم" التي رصدت الندوة ضمن بث خاص، فإنها حاولت رسم خريطة الطريق بشأن "شمال إسرائيل"، لفهم "إلى أين نتجه من هنا"، معتبرة أن ما هو واضح لسكان الشمال، يبقى خفياً عن عيون صناّع القرار، وأنّ قضية الأمن تشغل أكثر من نصف "سكان المنطقة الشمالية".
وركزت "يسرائيل هيوم" المقربة من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، على شكاوى رؤساء البلديات والقائمين على المصانع والمحال التجارية والمطاعم، مشددة على أن أكثر من نصف "الشباب الإسرائيليين في شمال إسرائيل من عمر 18 حتى 29 عاماً"، يضعون القضية الاقتصادية في الصدارة.
واستعرضت "يسرائيل هيوم" استطلاعا حصرياً للرأي في "الشمال"، أظهر أن 55 في المئة من المستطلَعين يرون أن إخلاء كريات شمونة وبلدات خطّ المواجهة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان "خطوة صحيحة"، بينما اعتبر 36 في المئة أن الإخلاء تسبّب في عدم عودة كثير من السكان حتى الآن، وأثّر في سير الحياة فيها. وفي تحليلها للنسب المئوية التي أوردها الاستطلاع، فإن الصحيفة العبرية عزت الفروق إلى تباين مرجعية المصوتين بين يمين ووسط، إذ بدت الفئة اليمينية أكثر تأييداً لقرار الإخلاء، مقارنة بالذين يفكرون أكثر بالمغادرة ويطالبون بحوافز اقتصادية.
"لا يقين"
وفي المؤتمر، اشتكى صاحب حانة في كريات شمونة، من تراجع شديد في إقبال الزبائن، مؤكداً أن الوضع حالياً "بين بين"، مضيفاً أنه لا حالة يقين، وكل يوم "نستيقظ ونفكر من جديد، قبل الحرب كان ممتلئاً كل مساء، على عكس اليوم". وقال أحد سكان مستوطنة "المطلة" أيضاً، إن "المجتمع تغيّر كثيراً" رغم "تحسن" الوضح تدريجياً، مشيراً إلى أن المدرسة ما زالت مغلقة.
والحال أن جوهر غضب رؤساء البلديات وسكان الشمال الإسرائيليين من حكومة نتنياهو، هو أنهم لا يريدون "ترميماً" وإنما "نمواً"، أي إعادة المنطقة كما كانت عليه قبل اندلاع الحرب مع لبنان قبل أكثر من سنتين، وألا يكون "الشمال" منطقة منفصلة عن باقي إسرائيل. وما زاد غضبهم لدرجة تنظيم احتجاج الشهر الماضي، هو اعتبارهم الحكومة الإسرائيلية "منفصلة عن الواقع الجاري في الشمال"، ورفع يمينيون إسرائيليون شعارات "شمال قوي يعني إسرائيل قوية".
"أعدنا الشمال 70 سنة إلى الوراء.. لا لبنان"!
ووصل انتقاد رئيس بلدية كريات شمونة، أفيفحاي شتيرن، للحكومة الإسرائيلية، حدّ القول "إننا لم نُعد لبنان 20 سنة إلى الوراء، كما توعد مسؤولونا.. وإنما أعدنا الشمال 70 سنة إلى الوراء"، محذراً من أنه إذا شهدت كريات شمونة موجة "هجرة" جديدة، فلن يكون بالإمكان العودة. بينما قال مشاركون آخرون في المؤتمر إن إعادة بناء "مجتمع الشمال"، لا تكون فقط من خلال الأسوار والخرسانة.
وتُجمع وسائل إعلام عبرية على أن إعادة تأهيل "الشمال" المحاذي للبنان، لا يعني إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب، وإنما خلق واقع جديد، مشيرة إلى أنه من دون "فهم عميق" للاحتياجات الملحة والاقتصادية، ستتواصل "الهجرة الصامتة".
واللافت أن حكومة نتنياهو خصصت لإعادة إعمار الشمال مبلغاً أقل بكثير مما أوصت به الخطة المقترحة، ما يثير تساؤلات عن أسباب ذلك: فهل تُبدي حذراً في الإنفاق على إعادة الحياة في الشمال إلى طبيعتها لعدم يقينها بانتهاء الحرب؟
إسرائيل.. نحو "قتال متجدد"؟
لعلّ الإجابة على هذا التساؤل، تبرز ضمناً في مداخلة رئيس حركة "الأمنيين" أمير آفيفي، إذ قال إنه عند إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، تولّد انطباع لدى "الجمهور الإسرائيلي" بأن الحرب انتهت، مشيراً إلى أن هذا "غير صحيح"، وأن إسرائيل مقبلة على فترة تجديد القتال في جميع الجبهات.
وادعى آفيفي أن قضية لبنان ترتبط بما يجري حالياً في إيران "التي نحضر أنفسنا لمواجهتها"، وأشار رئيس حركة "الأمنيين" الإسرائيليين، إلى أنه قد تكون هناك "ضربة إيرانية استباقية.. وقد نخرج لتنفيذ هجوم قبل الأميركيين". وروّج آفيفي لسيناريو مزعوم، يتمثل في احتمال أن يكون هناك وضع يتم فيه تنفيذ ضربة كبيرة ضد إيران، بموازاة إطلاق النار من جبهات أخرى، زاعماً أن الاحتمال "مرتفع جداً"، وأنه "ليس عبثاً" قيام الجيش الإسرائيلي بتنفيذ هجمات مستمرة في لبنان، وهو ادعاء لا يخرج عن سياق الذرائعية الإسرائيلية التقليدية لتبرير مواصلة العدوان على بلد الأرز.
قدرات حزب الله.. بالأرقام الإسرائيلية!
وفي السياق، أصدر مركز "علما" المقرب من الاستخبارات الإسرائيلية، أحدث تقييم لوضع حزب الله العسكري، معتبراً أن وتيرة التعافي وإعادة البناء تتفوق على الهجمات المضادة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي. وزعم "علما" أن الحزب يمتلك حاليًا "ترسانة" من الصواريخ والقذائف تُقدَّر بنحو 25 ألف قطعة، تعتمد في معظمها على صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، مع قدرة إطلاق تصل إلى عشرات الصواريخ والقذائف يوميًا.
إلى جانب ذلك، يمتلك التنظيم مجموعة أكثر "محدودية" من الصواريخ المتقدمة، بما في ذلك الصواريخ الدقيقة وكروز وأنظمة الدفاع الجوي وصواريخ بحر– بر، ويُقدَّر عدد كل فئة منها بعشرات إلى بضع مئات كحد أقصى، وفق الموقع الأمني الإسرائيلي.
أما المسيّرات، فيشكل مجالها "طبيقة مركزية في بناء قوة حزب الله المستقبلية، إذ يقدّر "علما" أن الحزب لديه الآن نحو ألف طائرة مسيّرة "انتحارية"، فيما لا يُعرف الحجم الدقيق لبقية أنواع المسيّرات، بحسب أحدث تقييم لباحثين أمنيين إسرائيليين في "علما".
ولعلّ سرد هذه الأرقام في هذا التوقيت الحساس والمتوتر بالمنطقة، ليس بريئاً.. فإسرائيل عندما تسمح بنشر معلومات أمنية كهذه، غالباً ما تكون وراءها أهداف أمنية وسياسية معروفة أو مستترة.
المصدر - المدن