"التمائم المفقودة"... رحلة البحث عن الناي الكردي في ضباب هورامان
RûpelNews - س1: لنبدأ من العتبة الأولى؛ العنوان. "Bazbendên Windayî" أو "التمائم المفقودة". ما هي هذه التمائم التي يبحث عنها إيزدين؟ وهل هي مفقودة حقاً أم أنها مجرد إعادة صياغة لذاكرة مشتتة؟
ياسين حسين: التمائم في الموروث الشعبي الكردي هي أحجبة للحماية، لكنها في الرواية ترمز للهوية، للقيم، وللأشخاص الذين فقدناهم. إيزدين، بطل الرواية، لا يبحث عن قطعة قماش أو جلد، بل يبحث عن "السر" الذي يربط الكردي بأرضه. هذه التمائم مفقودة لأن الحرب والتهجير مزقا الخيط الذي يربطنا بجذورنا. إيزدين يحاول إعادة جمع هذه التمائم من خلال الموسيقى، لذا فالرواية هي محاولة لاسترداد ما ضاع من الروح وسط ضجيج المدافع.
س2: بطل الرواية "إيزدين" شخصية مأخوذة بصوت الناي. لماذا اخترت هذه الآلة تحديداً لتكون رفيقة دربه؟ وهل الموسيقى هنا هي "لغة سرية" كما وصفتها في النص؟
ياسين حسين: الناي هو آلة الرعاة والزاهدين والجبال. هو الآلة التي لا تحتاج إلى وسيط، هي زفير الروح مباشرة. في الرواية، الناي هو صوت إيزدين حين يعجز عن الكلام. الكردي تاريخياً وجد في الموسيقى ملجأً حين مُنعت لغته، لذا فالناي هنا ليس للترف، بل هو "اللغة السرية" التي يفهمها الجبل والضباب والأصدقاء الراحلون. هي اللغة التي لا يمكن تزويرها أو اعتقالها.
س3: الرواية تأخذنا في رحلة جغرافية مثيرة: من عامودا إلى حلب، ثم سحر جبال بوتان، وصولاً إلى حلبجة وهورامان. هل هذه الرحلة هي "صعود" وجداني من السهل إلى الجبل؟
ياسين حسين: نعم، هي رحلة عمودية بقدر ما هي أفقية. السهل (عامودا) يمثل البداية، البراءة، والوجع المكشوف تحت الشمس. أما الجبل (هورامان) فهو الغموض، التصوف، والبحث عن الخلاص. إيزدين ينتقل من واقعية السهل وقسوته إلى "ميثولوجيا" الجبل. في كل محطة، كان يفقد جزءاً من أوهامه ليكتسب جزءاً من الحقيقة. الجبل في الأدب الكردي دائماً ما كان الحضن الأخير، وفي هورامان تحديداً، حيث يلتقي الضباب بالأرض، وجد إيزدين ضالته.
س4: نلمس في الرواية حضوراً قوياً للأصدقاء الراحلين (محمود الموسيقي، وموسى الشاعر). في الإهداء وفي متن النص، يبدو أنك تكتب وفاءً لجيل كامل. كيف انعكست تجاربهم الشخصية على بناء الشخصيات؟
ياسين حسين: هذه الرواية هي ديْن شخصي لهؤلاء المبدعين. محمود وموسى ليسا مجرد شخصيات ورقية، بل هما قطع من قلبي. محمود الذي يجنّ من فرط صدقه، وموسى الذي تبتلعه أحلامه. هم يمثلون التراجيديا الكردية؛ الموهبة التي تولد في الزمان والمكان الخطأ. أردت من خلال الرواية أن أمنحهم "خلوداً سردياً" يعوضهم عن غدر الواقع. إيزدين في الرواية يحمل ناي محمود وشعر موسى ليقدمهما قرباناً على قمم هورامان.
س5: تظهر شخصية "تانيا"، الباحثة الأوروبية، كجسر بين عالمين. ما الدور الذي لعبته تانيا في توجيه بوصلة إيزدين نحو حقيقته؟
ياسين حسين: تانيا هي "العين الخارجية" التي تنظر إلينا. هي تمثل الفضول المعرفي والتعاطف الإنساني. بلقائها، يدرك إيزدين أن مأساته ليست محلية فقط، بل هي جزء من ذاكرة إنسانية عالمية. تانيا ساعدته في فك شفرات أحلامه، وقادته الأقدار معها إلى حيث يجب أن ينتهي المسير. العلاقة بينهما لم تكن مجرد عاطفة، بل كانت حواراً بين حضارتين؛ واحدة تبحث عن الحقيقة في الكتب (تانيا)، وأخرى تعيش الحقيقة كجرح نازف (إيزدين).
س6: الرواية تمزج بين الواقعية السحرية والتصوف الكردي. نرى لقاءات مع أرواح وأساطير (مثل الشيخ نور الدين والملا مصطفى). كيف استطعت الموازنة بين واقعية اللجوء وأسطورية المكان؟
ياسين حسين: الروح الكردية بطبعها روح "سحرية". نحن نعيش في أماكن مسكونة بالحكايا. حين يمر إيزدين بمرقد "مم وزين" أو يزور الأضرحة المقدسة، هو لا يزور حجراً، بل يستنطق تاريخاً. التصوف في الرواية هو وسيلة للاحتمال. الواقع كان قاسياً جداً (السجون، الغربة، الفقد)، ولم يكن هناك بد من اللجوء إلى "الخيال الأسطوري" لترميم الروح. هورامان بضبابها الدائم هو المكان المثالي لهذا الامتزاج، حيث تختفي الحدود بين ما هو كائن وما هو متخيل.
س7: النهاية في "التمائم المفقودة" نهاية مفتوحة وأسطورية. إيزدين يختفي في الجبل ويتحول إلى "صدى ناي". هل هذه النهاية هي هروب من الواقع أم ذوبان في المطلق؟
ياسين حسين: هي "حلول" وليست هروباً. إيزدين لم يختفِ لأنه خاف، بل لأنه وصل إلى مرحلة التوحد مع القضية ومع الأرض. في الموروث الكردي، الأبطال لا يموتون، بل يسكنون الكهوف والجبال وينتظرون لحظة الانبعاث. تحوله إلى صدى ناي يعني أن القضية (الموسيقى، الهوية، الحب) ستبقى حية وتتردد في الوديان. أردت للنهاية أن تكون بمثابة "انعتاق" من الجسد المتعب والتحليق في فضاء الحرية الأبدي.
س8: كلمة أخيرة للقراء، ماذا تريد لـ "التمائم المفقودة" أن تترك في ذاكرتهم؟
ياسين حسين: أتمنى أن يدرك القارئ أن لكل إنسان "تميمة" خاصة تحميه، وهذه التميمة هي ذاكرته وأصله. الرواية دعوة لعدم نسيان الجمال وسط الركام، ودعوة للتمسك بـ "الناي" الخاص بكل واحد منا، أي الموهبة أو الحب الذي يجعلنا نستمر في الحياة. إيزدين رحل، لكن نغمة نايه ما زالت هنا، وبين أيديكم في هذه الصفحات.
يبقى ياسين حسين في "Bazbendên Windayî" مخلصاً لأسلوبه السردي الذي يجمع بين رصانة الروائي وخيال الشاعر، مقدماً عملاً لا يقرأ بالعين فقط، بل بالأذنين والقلب، حيث الموسيقى هي البطل الحقيقي.